مقابلة مشتركة مع السفير موليما والوزير سويلم

بند أخبار | 22-06-2026 | 14:42

علي مدار 50 عامًا، عملت هولندا ومصر معًا في مجال المياه وما بدأ كتبادل للخبرات تطور إلى شراكة استراتيجية وواسعة النطاق. وللاحتفاء بهذه اللحظة المهمة، تحدث معالي السفير الهولندي بيتر موليما مع معالي وزير الموارد المائية والري الدكتور هاني سويلم، حول الإنجازات والتحديات المشتركة وآفاق التعاون المستقبلية.

  وقع معالي الوزير هاني سويلم، و د. سمر الأهدل، نائبة وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، ومعالي السيد بيتر موليما، سفير المملكة الهولندية لدى مصر علي اتفاقية منحة مقدمة من منظمة "استثمر دوليًا" Invest International لحماية الشواطئ في مصر باستخدام حلول قائمة على الطبيعة بالشريط الساحلي لدلتا النيل.

أكد السفير الهولندي لدى مصر السيد/ بيتر موليما أن الشراكة الهولندية-المصرية في مجال إدارة المياه تعتبر "شراكة متبادلة المنفعة"، إذ يتعلم البلدان من بعضهم البعض ويتعاونان في مواجهة تحديات المياه

وأشار إلي ذلك خلال اجتماعه مع وزير الموارد المائية والري الدكتور هاني سويلم، وهو أيضًا أستاذ في علوم الهيدرولوجيا وإدارة الموارد المائية. ويناقش السفير موليما والوزير سويلم أبعاد الشراكة الثنائية في إدارة المياه فيما يلي

يصادف هذا العام مرور 50 عامًا علي التعاون في مجال إدارة المياه. لماذا ظل قطاع إدارة المياه ركيزة قوية ومستدامة في العلاقات الثنائية؟

" الماء شريان حياه لكل من مصر وهولندا، فإنه يحدد جغرافيتنا وتاريخنا ومستقبلنا. وتكمن قوة هذه الركيزة في هويتنا المشتركة باعتبارنا "دولتي دلتا". فعلى مدار خمسة عقود، أدركنا أن إدارة المياه ليست مجرد تحدٍ تقني، بل هي ضرورة أساسية لتحقيق الاستقرار والازدهار الوطنيين. وبينما تواجه مصر تحدي ندرة المياه، وتدير هولندا فائضها، إلا أن البلدين يواجهان تحديات مشتركة تتمثل في ارتفاع منسوب سطح البحر، وتغلغل المياه المالحة، وتآكل السواحل. وهذا الواقع المشترك جعل من التعاون في مجال المياه ركيزة راسخة في علاقاتنا الثنائية." 

 

عندما تنظرون إلي الخمس عقود التي مضت، ما الذي يجعل هذه الشراكة فريدة من نوعها؟ وما الذي يدعوكم إلى الفخر بها؟

"بدأ هذا التعاون بالدعم الهولندي لمصر في إنشاء أنظمة رئيسية لصرف الأراضي الزراعية ما زلنا نعتمد عليها حتى اليوم في استخدام وإعادة استخدام المياه بطريقة غير التقليدية. وشملت الإنجازات المبكرة في 1970، إنشاء معهد بحوث الصرف ودعم مشروعات الصرف الكبرى، وهو ما يعد أول تجليات واضحة لهذه الشراكة. واليوم تطورت هذه العلاقة لتشمل مبادرات بحثية مشتركة مثل مشروع التعاون المشترك للبحوث التطبيقية (Joint Cooperation for Applied Research – JCAR)، مما يعكس تعاونًا أعمق وأكثر تكافؤًا.

 
ما هو أول مشروع تعاون في مجال المياه، وأي المشاريع اللاحقة التي تعكس بشكل أفضل كيف تطورت هذه العلاقة؟

"بدأت رحلتنا في أوائل سبعينيات القرن الماضي، بعد فترة قصيرة من اكتمال بناء السد العالي في أسوان. ومع سعى مصر لتنظيم فيضان نهر النيل، واجه المصريون تحديات جديدة تتمثل في تغدق الأراضي وارتفاع نسبة ملوحة التربة. وكانت أول محطة رئيسية في التعاون المصري-الهولندي هو إنشاء "المجلس الاستشاري المصري-الهولندي لصرف الأراضي الزراعية" في عام 1976 والذي كان رائداً في مجال أنظمة الصرف تحت السطحي في دلتا النيل، وهو ما يعد خطوة محورية في حماية الزراعة. 

واليوم، نري أن هذه العلاقة تطورت لتصل إلى مرحلة متقدمة من التكيف مع تغير المناخ. فالمشروعات الحديثة، مثل دراستنا المشتركة حول التغذية بالرمال كحل قائم علي الطبيعة لحماية شاطئ البحر المتوسط، تعكس هذا التطور. فلم نعد نقتصر على إنشاء شبكات الصرف فحسب، بل أصبحنا نشارك في ابتكار حلول مستدامة قائمة على العلم لمواجهة التحديات البيئية في القرن الحادي والعشرين. وهذا التحول من الصرف إلى إدارة متقدمة للمناطق الساحلية يجسد بوضوح كيف تطور تعاوننا ليصبح نموذجًا عالميًا للعمل المناخي.'' 

كلا البلدين دولتا دلتا، ويشكّل الماء عنصرًا مهمًا في حياتهما (فائض في حالة هولندا مقابل ندرتها في حالة مصر). كيف أسهم هذا الفرق في تعزيز التعاون بينهما؟

" في الواقع، يعد هذا التباين هو مصدر قوتنا الأكبر. تعتبر هولندا رائدة عالميًا في إدارة "وفرة المياه" (من خلال حماية الأراضي من مياه البحر والسيطرة على الفيضانات)، بينما تعد مصر خبيرة في إدارة "ندرة المياه" عبر الاستفادة من كل قطرة من نهر النيل.
 
ولا تقتصر تحديات هولندا علي فائض المياه فحسب، بل أصبحت تواجه أيضًا فترات من الجفاف المتزايد، وهو تحدٍ يمكن أن تستفيد فيه من خبرة مصر في هذا المجال.
 
ومن خلال الجمع بين هذين المنظورين، نخلق رؤية شاملة لإدارة المياه. تستفيد مصر من الخبرة الهولندية في تعزيز مرونة المناطق الساحلية، بينما تكتسب هولندا رؤى قيمة من تجربتنا في إعادة استخدام المياه وكفاءة الري علي نطاق واسع. يضمن هذا الحوار بين دولتا دلتا أن تكون حلولنا فعالة وذات صلة عالمية." 


كيف يسهم التعاون في مجال المياه في تعزيز القدرة على التكيف مع تغير المناخ، وتحقيق الأمن الغذائي، ودعم التنمية الاقتصادية؟

تعد المياه "المفتاح الرئيسي" لهذه القطاعات. فمن خلال تحديث أنظمة الري وتحسين الصرف، نعمل مباشرة علي رفع الإنتاجية الزراعية، التي تعد ركيزة الأمن الغذائي في مصر. فعلي سبيل المثال، تساعد المبادرات المدعومة من هولندا صغار المزارعين على تبنى تقنيات حديثة تزيد من المحاصيل مع ترشيد استهلاك المياه.

كما أن حماية سواحلنا من التآكل عبر ابتكارات مثل التغذية بالرمال، تؤمن مدننا الساحلية والمناطق السياحية، بما يضمن استقرار الاقتصاد الوطني على المدى الطويل. وفي دول الدلتا، تعد الإدارة الفعالة للمياه حجر الزاوية في كل شيء، فهي تحافظ علي الأراضي الخصبة من التملح وتحمي البنية التحتية الحيوية

كيف يمكن للابتكار ومشاركة القطاع الخاص أن يسهما في توسيع نطاق الحلول خلال العقود القادمة؟ 

نتطلع بشكل متزايد إلي الشركات الهولندية والمصرية لتقديم حلول مبتكرة في مجالات تحلية المياه، والمراقبة الرقمية للمياه، ونماذج الاقتصاد الدائري. وتساعد الشركات مع منظمات مثل "استثمر دوليًا" Invest Internationalعلي سد فجوة بين البحوث التجريبية والمشروعات الكبيرة القابلة للتمويل. 

ومن خلال تشجيع الاستثمار في التقنيات الخضراء وأنظمة ترشيد استخدام المياه، يمكننا ضمان ترجمة أبحاثنا المشتركة إلي نتائج ملموسة علي أرض الواقع. كما يضمن مشاركة القطاع الخاص ألا تكون حلولنا المائية سليمة تقنيًا فحسب، بل أيضًا مستدامة اقتصاديًا وقابلة للتوسع."

كيف يجسد هذا التعاون قيمًا مشتركة مثل الاستدامة والشمولية والمسؤولية تجاه الأجيال القادمة؟ 

تقوم شراكتنا علي تحقيق تقدم شامل، يشرك الشباب والمزارعين والمجتمعات المحلية، مع الحفاظ علي الموارد المائية لصالح الأجيال القادمة. 
ومن الأمثلة البارزة على ذلك، إطلاق "تحدي شباب مصر-هولندا" خلال فعاليات أسبوع القاهرة للمياه 2025، والذي يهدف إلى تمكين الشباب المهنيين من المشاركة في تصميم حلول مبتكرة في مجال المياه." 
 

هل يمكنك مشاركة ذكرى أو قصة شخصية تعكس علاقتك الخاصة بالمياه؟

"نشأت في مصر، ولا يمكن للمرء إلا أن يشعر برابطة وطيدة مع نهر النيل، فهو ليس مجرد نهر، بل هو تاريخنا وحياتنا. أتذكر رؤية المساحات الخضراء الشاسعة في دلتا النيل، وإدراكي أن كل ورقة شجر تعتمد علي الإدارة الرشيدة لهذا الماء. لقد كانت رحلتي الشخصية، من باحث يدرس إدارة المياه إلي تولي منصب وزير، مدفوعة برغبة صادقة في ضمان أن النيل نفسه الذي أبقى أجدادي علي قيد الحياه سيتمر في التدفق لأبنائي."